الدراسات والأبحاث

التهجير في سورية تصنيفه – آليّاته – أهداف الأطراف الفاعلة فيه


مقدّمة:
تعدّدت الأطراف التي ساهمت في تهجير السكان في العديد من المناطق السوريّة (النظام وحلفاؤه، داعش، الميليشيات الكرديّة…)، إلّا أنّ التهجير مورس بشكلٍ ممنهجٍ وواسعٍ وضم خطة مسبقة كان على يد النظام السوريِّ الذي اتّبع -منذ بدء الاحتجاجات عليه عام 2011- إستراتيجيّةً تهدف إلى تذرير المجتمع السوريِّ عبر تفخيخه بالثنائيات الضدّيّة المتناحرة (سنّة/ شيعة، عرب/ كرد، أكثريّة/ أقليّات، حاضنة موالاة/ حاضنة معارضة…)، وهو ما سهّل عليه قمع الثورة، ودفع شريحةٍ واسعةٍ من أبنائها نحو التطرّف، صار السعي لمواجهتهم هدفًا دوليًّا، بعد وسمهم بالإرهاب.
ومهّدت هذه الإستراتيجيّة الطريق أمام مشروع “ولاية الفقيه” الذي يسعى إلى نقل الصراع في سورية من دائرة الثورة على الاستبداد إلى التأسيس لصراعٍ سنّيٍّ – شيعيٍّ، وذلك عبر تحشيد الشيعة واستقطابهم من خلال تفعّيل المظلوميّات لديهم والاستثمار في مشاعرهم الدينيّة، ليكونوا وقودًا لهذا المشروع الهادف إلى قضم المنطقة وتثبيت النفوذ الإيرانيّ .
وفي هذا السياق، كانت سياسة التهجير نقطة تلاقٍ بين الأسد وإيران مع اختلاف أهداف ودوافع كلٍّ منهما؛ فالأسد بالإضافة إلى سعيه لضرب حاضنة الثورة وإعادة السيطرة الكاملة على سورية، فقد كان لديه مخطط إضافي في حال عدم نجاحه لذلك وهو تفريغ مناطق جغرافية محددة ” هي ما أطلق عليه سوريا المفيدة لاحقا ” لتأسيس دويلة طائفية . بينما تسعى إيران إلى تغييرٍ ديموغرافيٍّ يحقّق لها وجودًا ونفوذًا على الأرض يُمكّنها من وصل جغرافي لمخططها بالهلال الشيعي الممتد من طهران حتى بيروت و التحكّم في مسار عمليّة السلام في سورية لاحقًا كمركزٍ لا كطرفٍ، وإن كانت حتى الآن لا تزال تدفع باتّجاه إطالة أمد الأزمة السوريّة وحرب الجميع ضدّ الجميع. حتى تسنح لها الفرصة الأفضل لفرض نفوذها كاملا على منطقة الهلال.
تصنيف التهجير في سورية
يحاول الخطاب الرسميُّ للنظام السوريِّ أن يُظهر ما يجري في سورية من عمليات تهجيرٍ وتغييرٍ ديموغرافيٍّ على أنّها أمرٌ طبيعيٌّ يحدث في كلِّ بلدان العالم، مردّه مصالح السكان الاقتصاديّة والحالة الاجتماعيّة والظروف السياسيّة. ومنه ما صرّح به الرئيس السوريّ بشار الأسد: “سورية كأيِّ بلدٍ متنوّع؛ الحالة الديموغرافيّة تتبدّل فيها عبر الأجيال بسبب مصالح الناس الاقتصاديّة والحالة الاجتماعيّة والظروف السياسيّة” .
يخلط كثيرون من متابعي المشهد السوريّ بين مصطلحي “التهجير القسريّ” و”النزوح الاضطراريّ”، إمّا عن قصدٍ أو عن عدم دراية. فالتهجير القسريُّ: هو ممارسةٌ تنفّذها حكوماتٌ أو قوًى شبه عسكريّةٍ أو مجموعاتٌ متعصّبة تجاه مجموعاتٍ عرقيّةٍ أو دينيّةٍ أو مذهبيّةٍ بهدف إخلاء أراضٍ معيّنة وإحلال مجاميعَ سكانيّةٍ بدلًا منها.
أمّا النزوح الاضطراريُّ فيكون لتجمّعاتٍ سكانيّةٍ تترك مناطقها بقرارٍ منها إلى مناطق أكثر أمنًا، نتيجة شعور عامٍّ بوجود خطرٍ مباشرٍ على الجميع، إما لنشوب حروبٍ نظاميّةٍ بين دولتين أو أكثر، أو بسبب حصول كوارثَ طبيعيّة.
ووفقًا لهذين التعريفين، وبالمقارنة بينهما يمكن استنتاج مجموعةٍ من النقاط:
1- التهجير في سورية قام به النظام السوريّ بمساندةٍ من ميليشياتٍ طائفيّةٍ رديفةٍ لها. كما قامت به مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي وإن اختلفت أهداف كل منهما من جريمة التهجير.
2- التجمّعات السكانيّة التي تمَّ تهجيرها تنتمي في غالبيتها إلى مذهبٍ دينيٍّ أو عرقي
3- تمَّ إحلال مجاميع سكانيّةٍ لها صبغةٌ مذهبيّةٌ واحدة في بعض المناطق السوريّة التي تمَّ تهجيرها.
4- التهجير في سورية بغالبيته لا يكون إراديًّا، بل يحدث وفق مفاوضاتٍ تجبر السكان على ترك مناطق سكنهم باتجاه مناطقَ غير آمنةٍ أيضًا، بل أقلّ أمنًا من المناطق التي هُجِّروا منها (ومنه ما يجري من تهجيرٍ ممنهجٍ للسكان باتّجاه محافظة إدلب).
على هذا يمكن تصنيف ما يجري من عمليّات التهجير في سورية ضمن عمليّات التهجير القسريّ، والتي تعدُّ وفق قاموس القانون الدوليِّ والإنسانيِّ جريمة كاملة نص عليها قانون محكمة الجنايات الدولية ,
آليّات التهجير القسريِّ في سورية
والممارسات المتّبعة من قبل النظام لتنفيذ جريمة التهجير القسري:
1- القتل الممنهج : لم يكن القتل في سورية نتيجة الأعمال القتاليّة فقط، بحسب ما يدّعي النظام وحلفاؤه، بل كانت سياسةً ممنهجةً تهدف إلى تهجير السكّان؛ فمعظم المجازر التي نفّذتها الميليشيات الطائفيّة الرديفة للقوّات النظاميّة كان هدفها انتقاميًّا لا عسكريًّا، ومنها مجزرة الحولة في 25 أيار/ مايو 2012، التي راح ضحيّتها 110 أشخاص، نصفهم من الأطفال، قضوا ذبحًا بالسكاكين. كما نفّذت القوّات النظاميّة والميليشيات الرديفة لها مجازرَ عديدةً قبل أن تأخذ المعارضة خيارها في المواجهة المسلّحة؛ ففي حمص مثلًا وقعت عدّة مجازر عندما كانت الثورة السوريّة في طورها السلميّ (مجزرة حيّ الساعة 18 نيسان/ أبريل 2011، مجزرة مقبرة حيّ النصر 21 أيار/ مايو 2011…). وكثيرة هي المجازر التي استهدفت المدنيّين، إلّا أنّه يمكن ملاحظة القواسم المشتركة فيما بينها ، وهي منهجيّتها واتّخاذها خطًّا تصاعديًّا من حيث الاتّساع والشدّة، وارتفاع نسبة الضحايا من الأطفال والنساء.
2- إضافة إلى هذا يعتبر الإخفاء القسريّ سياسةً سائدة لدى النظام والمليشيات الطائفيّة؛ فمعظم حالات الاعتقال في سورية تمّت من دون مذكرة قضائيّة، أو معرفة الجهة المنفّذة للاعتقال ومكان الاحتجاز، وقد بلغ عدد المختفين قسريًّا الذين تم توثيقهم على يد القوّات الحكوميّة 71533 شخصًا؛ منهم 64214 مدنيًّا، بينهم 4109 أطفال و2377 امرأة . بينما تشير التقديرات الأخرى لمنظمات حقوق الإنسان أن أعداد المختفين قسريا قد تجاوز المائة وخمسين ألف , كما أنّ كثيرًا من المعتقلين قد قُتلوا تحت التعذيب؛ ففي الفترة الممتدة ما بين آذار/ مارس 2011، وكانون الأول/ ديسمبر 2015، تم توثيق قتل أكثر من 17723 معتقلًا تحت التعذيب، بحسب منظمة العفو الدوليّة. واللافت في هذه السياسة هو استهداف الأطفال بالقتل تعذيبًا داخل المعتقلات. تقول “أليس مفرج”، وهي سياسيّة سوريّة: “خلال فترة اعتقالي في فرع الأمن السياسيِّ في ريف دمشق، شاهدت طفلًا بعمر 12 عامًا حين جُلب إلى السجن كرهينةٍ للضغط على أبيه المطلوب، ولاحقًا شاهدت الطفل ذاته عاريًا من ثيابه مزرق الجسد ويلفظ أنفاسه الأخيرة” وتشير تقديرات منظمات حقوق الإنسان أن أكثر من خمسين ألف معتقل قد قتلوا في مراكز الاعتقال .
3- كما يُعتبر الاستخدام العشوائيّ والكثيف للأسلحة ولاسيّما “الأسلحة الغبيّة” كالبراميل المتفجّرة من أكثر الممارسات إحداثًا للقتل الممنهج؛ ففي عام 2016، بلغ عدد البراميل المتفجّرة الملقاة على مناطق سيطرة المعارضة 13 ألف برميلٍ متفجّرٍ ، على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن رقم 2139 في تاريخ 22 شباط/ فبراير 2014، الذي يطالب جميع الأطراف بالكفِّ عن الاستخدام العشوائيِّ للأسلحة في المناطق المأهولة بالسكان، كالبراميل المتفجّرة.
وتصنّف المجازر التي ارتكبها النظام بأسلحة التدمير الشامل المحرّمة دوليًّا ضمن سياسة القتل الممنهج، ومنها مجزرة الكيمياوي في الغوطة الشرقيّة في تاريخ 21 آب/ أغسطس 2013، والتي راح ضحيتها نحو 1400 شخص معظمهم من الأطفال. يقول “أبو أنور” الذي شهد وقائع المجزرة: “كان منظر الأطفال مرعبًا ومهولًا، كانوا كالطيور المذبوحة يضربون الأرض بأيديهم وأقدامهم”.

 

4- الحصار والتدمير الممنهج للبنية التحتيّة: استخدمت الحكومة السوريّة سياسة الحصار التي تهدف إلى خنق السكّان وتجويعهم، لإجبارهم على المفاوضات التي غالبًا ما تنتهي بتهجيرهم من مناطقهم، وفق معادلة “الجوع أو الركوع”. فلقد سبّب الحصار نقصًا حادًّا في الموارد الغذائيّة والدوائيّة أدّى إلى الموت جوعًا في بعض المناطق المحاصرة، كمضايا ومخيّم اليرموك وغيرها من المناطق. إضافة إلى أنّ الحصار أفرز طبقةً من التجّار الفاسدين عمدت إلى احتكار السلع ورفع أسعارها، حتى وصلت إلى عشرة أضعاف سعرها الحقيقيِّ في بعض الأحيان. يقول “أبو أنور”، وهو ممّن عاشوا الحصار في الغوطة الشرقيّة: “وقعت الناس بين مطرقة الحصار وسندان الفساد، وبرزت تجارة الأنفاق التي استفاد منها تجّار الحروب بشكلٍ كبير؛ فقد ساهموا في الحصار من خلال احتكار السلع ورفع أسعارها، إذ وصل كيلو الأرز في بعض مناطق الغوطة الشرقيّة إلى 3000 ل.س”. وبالمقابل عرقلت قوّات النظام عمليّة دخول قوافل المساعدات الإنسانيّة إلى المناطق المحاصرة، ووصل الأمر إلى حدّ قصفها في بعض الأحيان؛ ففي تاريخ 19 أيلول/ سبتمبر 2016، استهدفت طائرات النظام وحلفائه قافلة مساعدات إنسانيّة في ريف حلب الغربيّ، أدّت إلى احتراق 18 شاحنةً محمّلةً بالمساعدات. وبالتزامن مع هذا الحصار المطبق، عمد النظام وحلفاؤه إلى ضرب البنية التحتيّة والخدميّة، وإفراغ المناطق المحاصرة من كوادرها التقنيّة والعلميّة، ولاسيّما الكوادر الطبيّة؛ حيث استهدف القصف الجوّيُّ الأفران والمستشفيات والمراكز الطبيّة والأسواق الشعبيّة ومحطّات الوقود… ففي تاريخ 23 كانون الأول/ ديسمبر 2012، قُصف مخبزٌ في بلدة “حلفايا” في ريف حماة، قُتل فيه نحو 300 شخصٍ، وفي 2 كانون الثاني/ يناير 2013، استُهدِف سوق الهال في مدينة الرقة بصاروخ سكود، وفي التاريخ نفسه استُهدفت محطّةٌ للوقود بالقصف في مدينة “المليحة” في ريف دمشق. والأمثلة كثيرة جدًّا على ذلك، فقد وثّقت منظمة أطباء بلا حدود 94 هجومًا جويًّا على 63 مرفقًا طبيًّا خلال عام 2015.
5- نهب وتدمير ما تبقّى من ممتلكات السكان: هذه الخطوة هي آخر حلقةٍ في سلسلة ممارسات التهجير؛ فبعد أن يتمَّ إخلاء المنطقة من سكّانها، تدخل الميلشيات الرديفة لقوّات النظام، وتقوم بتفجير البيوت التي لا تزال صالحةً للسكن بعد أن تنهب محتوياتها، كما حدث في بعض حارات “حيّ التضامن” جنوب دمشق. ويطلق السوريّون على هذه الظاهرة “التعفيش”، وهناك ميليشيات أصبحت موسومةً بذلك، كميليشيا الدفاع الوطنيّ المدعومة إيرانيًّا. وهذه الممارسات يستفيد منها النظام بجانبين: فمن جهةٍ، تساهم هذه المسروقات بتغطية جانبٍ من نفقات تلك الميليشيات، وتدفعها إلى مواصلة أعمالها القتاليّة والإجراميّة طمعًا بغنائم الحرب. ومن جهةٍ أخرى، تساهم في تهجير السكّان بشكلٍ دائم؛ فالبيوت دُمّرت، والأشجار قطعت، والمناطق تغيّرت معالمها. يقول “عامر برهان”، وهو ما زال متواجدًا حتى الآن في مدينة الزبداني التي بقي من سكّانها 160 شخصًا إلى لحظة إعداد هذا التقرير: “بعد تهجير السكّان من منطقة الزبداني في ريف دمشق الغربيّ، دخلت الميليشيات الطائفيّة التابعة للنظام بالتعاون مع ميليشيا حزب الله، وقامت بتدمير البيوت التي ما تزال صالحةً للسكن بعد أن أفرغتها من محتوياتها، وقطعوا الأشجار وحرقوا البساتين. فالمهجّرون الآن لن يجدوا ما يعودون من أجله”.

6- الاستيلاء على الأملاك الشخصيّة والمصادرة : لجأت القوّات الحكوميّة والمليشيا الشيعيّة إلى طرقٍ مافياوية عديدة للاستيلاء على أملاك السكان، تارةً عبر استصدار المراسيم والقوانين المجحفة بحقِّ السكان، كاستصدار مرسوم 66 في عام 2012، بحجة تنظيم مناطق المخالفات والسكن العشوائيّ؛ حيث استهدف هذا المرسوم بساتين المزة والرازي وكفرسوسة والليوان، وهو ما بات يعرف بمشروع “مدينة الأقحوان”. وتمَّ اقتلاع السكان من بيوتهم عنوةً، كما جرّفوا بساتين الصبار والزيتون في المنطقة والتي يعتاش منها الأهالي. بالمقابل لم يستهدف هذا المشروع الأحياء الموالية للنظام ذات الأغلبيّة العلويّة، كالمزة 86 وعش الورور وغيرها من المناطق التي تعتبر أكثر التجمّعات السكانيّة عشوائيّةً في دمشق. وتارةً أخرى عبر استصدار مهمّاتٍ أمنيّة وعسكريّة يتمُّ بموجبها الاستيلاء على العقار المستهدف أو مصادرته بحجة أن ملكيته تعود لأحد معارضي النظام في الخارج، ومنه الاستيلاء على أملاك الإعلامي “فيصل القاسم” وغيره من المعارضين في محافظة السويداء. كما اعتمدت المليشيا الشيعيّة في سورية أسلوب الإغراء الماديّ والابتزاز؛ فهي تقوم بشراء العقارات من بعض المالكين بأسعارٍ باهظةٍ، ومن ثمَّ تعمد إلى ابتزاز من يرفضون بيع أملاكهم عن طريق التضييق الأمنيِّ أو إلحاق الأذى بهم بشكلٍ مباشرٍ. يقول “مجد الخطيب” وهو إعلامي يسكن في دمشق (أُجريت المقابلة معه في تاريخ 15 كانون ثاني/ يناير 2017، عبر مكالمةٍ صوتيّة): “قام عناصر من قوّات النظام بالاستيلاء على عددٍ من البيوت، في ساحة المزرعة في دمشق، خلف جامع الكويتي، وعلى أوتستراد المزة؛ البيوت كانت فارغة وتعود لأشخاص اضطروا لمغادرة دمشق، بسبب الحملات الأمنيّة التي يقوم بها النظام”. ويضيف “الخطيب” بما يتعلّق بمشروع “مدينة الأقحوان”: “تمّ إنذار الأهالي عن طريق الأمن العسكريّ لإخلاء بيوتهم، ووعِدوا بتعويضٍ قدره 15 ألف ل.س كبدلٍ شهريٍّ، في حين أنّ إيجار البيت في دمشق يبلغ نحو 100 ألف ل.س”.
7- التضييق الأمنيّ: يعاني سكان المناطق الخاضعة للنظام من حصارٍ أمنيّ خانقٍ يتجلّى في انتشار الحواجز بشكلٍ واسعٍ، وممارساتها التي تشكّل انتهاكًا للكرامة الإنسانيّة من تفتيشٍ مذلٍّ وسوء معاملةٍ واعتقالاتٍ تعسفيّة. وأصبح هناك قسمٌ كبيرٌ من سكان تلك المناطق مهدّدًا بالاعتقال، ولاسيّما الشباب الذين امتنع بعضهم عن أداء الخدمة العسكريّة في صفوف جيش النظام. إضافة إلى فرض النظام الموافقات الأمنيّة على جميع المعاملات المدنيّة (تنظيم عقود البيع والشراء، وعقود الإيجار، واستصدار أو تجديد شهادة السوق أو جواز السفر…)، فأصبح بذلك المطلوبون لأداء خدمة العلم أو المطلوبون أمنيًّا من المعارضين السياسيّين مجرّدين تمامًا من حقوقهم المدنيّة، كونهم لا يحوزون على تلك الموافقة. ما دفع الكثيرين إلى اللجوء خارج سورية. يقول (ج. أ)، وهو أحد المعارضين السياسيّين في مدينة السويداء: “لا أستطيع تجديد شهادة السوق، ومصالحي معطلةٌ لا أستطيع البيع أو الشراء بسبب عدم حصولي على موافقةٍ أمنيّةٍ لتنظيم العقود، فلم يبقَ لي خيارٌ إلّا الرحيل”.
8- سوء الخدمات وافتعال الأزمات: يعاني السكان في مناطق سيطرة النظام من أزمةٍ معيشيّةٍ كبيرةٍ تتجلّى في انخفاض دخل الأسرة إلى ما دون 100 دولار شهريًّا، يقابله غلاءٌ في أسعار السلع ناتجٌ عن عدم ضبط أسعار السوق من قبل الحكومة، واحتكار المواد من قبل التجّار. إضافة إلى سوء الخدمات؛ فقد تصل ساعات تقنين الكهرباء إلى 18 ساعة يوميًّا. ويترافق هذا مع شحٍّ في المحروقات مع أنها تتواجد بوفرةٍ في السوق السوداء، وتعتبر تجارة المحروقات والتي غالبًا ما يسيطر على سوقها مليشيات النظام من الروافد المهمّة لتلك المليشيات وفق منظومة اقتصاد الحرب القائمة على الاحتكار والفساد والتحكّم بحاجات الناس. وتعدُّ أزمة المياه الآن في دمشق من أكثر تلك الأزمات خطورةً على السكان، وذلك بعد قصف النظام لنبع “الفيجة” وهو مصدرٌ رئيسٌ للمياه في دمشق. ويعتبر ناشطون أنّ هذه الأزمة مفتعلةٌ، ليضغط على سكان “وادي بردى” ودمشق في آن، ويدفعهم إلى ترك مناطقهم والانفكاك عن مسلّحي المعارضة. يقول “أبو نضال” وهو أحد سكان دمشق: “لدى النظام خزاناتٌ وآبارٌ احتياطية تستطيع أن تغطي حاجة المدينة، وهو ما يؤشر إليه وفرة المياه في السوق السوداء، إلا أنّ النظام اتّبع سياسة خلق الأزمات ليدفعنا إلى ترك مناطقنا. ومن جهةٍ أخرى تستفيد مليشياته من الإتجار في المياه فهي تجارةٌ رابحةٌ تدرُّ عليها مكاسبَ كبيرة”.

أهداف الأطراف الفاعلة في التهجير
النظام السوريّ:
يرى ناشطون أنّ النظام يهدف من خلال عمليّات التهجير القسريِّ إلى:
1- تفريغ مناطق جغرافية محددة . فالنظام السوري والعائلة الحاكمة كان لديها مخطط قديم في حال فقدت السيطرة على سوريا أن تنكفأ إلى منطقة الساحل وتؤسس لكيان مستقل هناك تفرض عليه السيطرة الكاملة وكانت الحدود المرسومة تمتد من غربي نهر العاصي وحتى البحر وهذا ما يفسر المجازو الكبيرة التي جرت فيي بداية الثورة في مناطق الحولة والقنيبر والتريمسة وحمص وهي مناطق غربي نهر العاصي سعى النظام منذ البداية لتطهيرها عرقيا تمهيدا لمخططه ,كما سعى لنقل البنية التحتية وعناصر القوة الاقتصادية إلى تلك المناطق ولكن التدخل الأيراني اللاحق أوقف هذه الخطة لأن المصالح الإيرانية لا تتوافق مع هذه الخطة لأان إيران تريد سيطرة كاملة على المساحة الجغرافية التي تشكل وصلا جغرافيا مع العراق والبقاع اللبناني ولا تؤيد قيام كيان منعزل عن لبنان والبقاع كما يفكر النظام لذلك كان التدخل الكبير لحزب الله في منطقة القصير والقلمون الشرقي كما يفسر التدخل الإيراني الكبير في معارك الجنوب والسيطرة على معبر التنف الحدودي .
2- خلق الأزمات على المستويين المحليِّ والدوليِّ؛ حيث جعل من أزمة النازحين في الداخل السوريّ المشكلة المركزيّة، ولاسيّما لدى المناطق الخاضعة لسيطرته. ويهدف من خلال هذا إلى صرف أذهان سكان تلك المناطق عمّا يحدث في سورية، وإخراج الناشطين الثوريّين من دائرة الفعل الثوريِّ إلى الإغاثة. يقول أحد العاملين في مجال الإغاثة في محافظة السويداء: “عندما بدأت موجات النزوح بالتدفّق إلى المحافظة، وامتنعت الدولة عن مساعدة النازحين عمدًا، وجدت نفسي منخرطًا في العمل الإغاثيِّ”. أمّا على المستوى الدوليّ فلقد نجح النظام بإغراق العالم باللاجئين السوريّين، وصرف أنظار العالم عن المقتلة السوريّة وتحويلها إلى “أزمة لجوء”.
3- تهجير حاضنة الثورة في المناطق المُنتفضة عليه، ما يضمن عدم انتفاضها عليه مجدّدًا، كما يعزّز ادّعاءَه بالسيطرة والتحرير.
4- إيجاد محشرٍ للمعارضة السوريّة المسلّحة، ولاسيّما أنَّ قوّات النظام قد أُنهكت نتيجة تشتّت الجبهات، وهذا ما يفسّر تهجير المعارضة المسلّحة وحاضنتها إلى محافظة إدلب.
إيران:
تسعى إيران لإحداث تغييرٍ ديمغرافيٍّ في بعض المناطق في سورية، بحسب شهادات سكان تلك المناطق، إمّا بالقوّة العسكريّة كما حدث في القصير والقلمون الغربيّ وبعض مناطق ريف دمشق، أو من خلال القوّة الناعمة (شراء العقارات، وإقامة المشاريع والاستثمارات، وخلق الألفة الدينيّة والاجتماعيّة…)؛ حيث باتت أحياء ومدن كاملة في دمشق ومحيطها تأخذ طابعًا إيرانيًّا، ولاسيّما تلك التي يتواجد فيها “مزارات” للشيعة، من حيث النمط العمرانيّ، والعملة المتداولة، واللغة السائدة. إضافة إلى أنّ إيران تعمل جاهدةً على التغلّغل في مناطق الأقليّات عن طريق شراء الأراضي، وإقامة المشاريع والاستثمارات، وخلق الألفة الدينيّة عبر الزيارات المتبادلة لرجال دينٍ من الطرفين، ومحاولة إيجاد قواسمَ دينيّةٍ مشتركة . ومن الملاحظ أنّ إيران استهدفت بالتهجير والتغيير الديموغرافيّ مناطقَ محدّدةً في سورية، على عكس الأسد الذي طال تهجيره معظم المناطق السوريّة على امتداد الخريطة السوريّة؛ فإيران لم تشارك في العمليّات العسكريّة الدائرة في المناطق الشرقيّة الشمالية التي تحازي المنطقة الكردية في العراق بينما تركز جهودها على المنطقة الشرقية الجنوبية التي تحاذي مناطق سيطرتها في العراق على سبيل المثال. ومن خلال هذا كلّه تهدف إيران إلى:
1- تحقيق تواصل جغرافي كامل بين مناطق سيطرتها في العراق سوريا ولبنان تنفيذا لمخطط الهلال الشيعي الفارسي .
2- السيطرة على مركز القرار في سورية، ولاسيّما قرار الحرب والسلم.

روسيا:
بدون البحث الآن بهدف روسيا الاستراتيجي من التدخل بسوريا فإن جريمة التهجير التي تجري تخدم مخططها بحيث يرى بعض السياسيّين أنّ روسيا تشترك مع النظام في هدف نقل مسلّحي المعارضة إلى إدلب وتجميعهم هناك، ما يسهّل على روسيا التغطية الجويّة، ويقلّل من تكلفتها الناجمة عن الأعمال القتاليّة في معظم المناطق السوريّة؛ من حلب شمالًا إلى ريف دمشق جنوبًا، مستفيدةً من تجربتها في الشيشان. ومن ناحيةٍ أخرى يمكن وسمُ مسلّحي المعارضة آنذاك بالإرهاب، كون محافظة إدلب تخضع لتنظيم “فتح الشام” المصنّف عالميًّا تنظيمًا إرهابيًّا ، ومن ثمَّ يمكن القضاء عليهم بمباركةٍ دوليّة.
الميليشيات التابعة لحزب ال PYD
قامت هذه المليشيات بعمليات تهجير اعتمدت على عنصرين قومي وسياسي فالإضافة إلى أنها قامت بتهجير قرى من سكانها العرب فإنها كذلك قامت بتهجير أكراد معرضين لمخططاتها ولا يمكن أن نقول بأن هناك مخطط كامل للتهجير القسري لدى قيادات تلك الميلشيا وإنما عملات التهجير تجري تبعا لظروف كل منطقة وأهمية السيطرة الكاملة عليها
خلاصة
إنّ سياسة التهجير القسريِّ والتغيير الديمغرافيّ تهدّد النسيج الاجتماعيَّ السوريَّ والهويّة الوطنيّة، وهذا مرهونٌ بمفاعيل الزمن وموازين القوّة على الأرض. فعلى الرغم من أنّ النظام وحلفاءَه اتّفقوا وتشابهوا في آليّات التهجير، إلا أنّ بعض المتابعين للشأن السوريِّ يرون أنَّ هناك صراعَ إرادات، قد تظهر ملامحه في المرحلة المقبلة تبعًا لتضارب أهداف الحلفاء ؛ فهدف روسيا الاستراتيجي في سوريا أن تحاول الإمساك بأوراق قوية في المنطقة أتاحها لها الانسحاب الأمريكي والغربي من المنطقة والوضع السوري وذلك للدخول بمفاوضات مع الغرب حول وضع روسيا في النظام العالمي والتعامل معها كقوة عالمية وليس قوة إقليمية والتفاوض على الورقة السورية مقابل العقوبات عليها والوضع بأوكرانيا وجورجيا ومنصات الصواريخ ببولندا وبالتالي في تحاول الإمساك بقوة بالورقة السورية منافسة بذلك إيران على هذا الدور .
أمّا هدف إيران فهو فرض السيطرة والهيمنة الكاملة على المناطق التي تؤمن لها تواصل هلالها الفارسي الشيعي لتشكل قوة كبيرة تهدد المنطقة برمتها ولإجبار الغرب وأمريكا أن يعتمدها وكيلها الإقليمي لضبط أوضاع كل المنطقة وخاصة منطقة الخليج. بينما النظام السوريُّ يصبح دمية تلعب بها كل الأطراف وهدفه الوحيد هو الاستمرار بالسلطة ولو شكليا ,
ويبقى الشعب السوريُّ قابعًا في معادلة “الزمن والثمن”، وهو الذي شُرّد منه ما يزيد على 15مليون نسمة من بيوتهم ما بين لاجئٍ ونازحٍ، أغلبهم يعيش ظروفًا إنسانيّةً صعبةً للغاية في مخيمات الداخل ودول الجوار، ولاسيّما مراكز الإيواء في مناطق سيطرة النظام، ومنه مركز “معسكر الطلائع” في قرية “رساس” في محافظة السويداء، وهو أقرب ما يكون إلى معسكرات الاعتقال النازية . إضافة إلى الأخطار التي تعرّض لها السوريّون أثناء رحلة لجوئهم من ابتزاز المهربين لهم، وقتلٍ نتيجة استهدافهم من قبل حرس الحدود. إضافة إلى مشكلة الاندماج في المجتمعات الجديدة وموتهم غرقًا قبل الوصول إليها.
المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية

اترك تعليقاً