أكد الشاهد أن المتهم رسلان كان قادراً على سماع أصوات التعذيب من مكتبه طيلة الوقت، وبأنه كان يعلم بما يجري لأن الشاهد نفسه استطاع سماع كل ذلك وهو في مكتبه.

لونا وطفة

بدأ محامي الشاهد جلسة الثاني من شهر أيلول/سبتمبر بقوله أن الشاهد يطلب عدم ذكر معلوماته الشخصية في قاعة المحكمة بسبب وجود تابعين ومخبرين للنظام السوري في أوروبا، ولأن أفراداً من أسرته لا يزالون في سوريا وهو يخشى عليهم بطش النظام إن علموا أنه أدلى بشهادته في المحكمة. وافقت هيئة القضاة على طلب الشاهد وسألت محاميه إن كان بمقدوره إعطاؤهم أي معلومات عن موكله، أجاب المحامي بأنه لن يذكر اسم موكله في القاعة ولكنه يستطيع القول بأنه فنان سوري.

بعد ذلك استهل الشاهد شهادته بالحديث عن لقاءاته مع المتهم رسلان. وقال أن أول لقاء بينهما كان عندما اعتقل الشاهد في فرع الخطيب بعد أن جاء عنصران مسلحان باللباس المدني إلى منزله في اليوم الثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر لعام 2011، وطلبوا منه الذهاب معهم لمدة ساعة لا أكثر – وكانت تلك كذبة كما قال الشاهد- وبعد ذلك اصطحبوه معهم إلى سيارة أمن فيها أربع عناصر آخرين.

أُخذ الشاهد إلى فرع الخطيب حينها. في مكتب تسليم الأمانات تعامل معه العنصر بقساوة وأجبره على التعري وعَملْ حركة الأمان (القرفصاء)، بعد ذلك نُقل إلى زنزانة منفردة وطُلِب منه أن يُبقي وجهه على الحائط خاصة عندما يفتحون باب الزنزانة. قال الشاهد بأنه لا يعلم كم بقي فيها لأن إحساسه بالوقت كان معدوماً. بعد وقت قصير أُحضِر شخص آخر، وكان مدرساً لمادة اللغة الإنجليزية، مع ابنه إلى البهو مقابل الزنزانة وجرى تعذيب الأب وضرب رأسه بباب زنزانة الشاهد حتى أغمي عليه عدة مرات. جاء بعد ذلك أحد العناصر وأخرج الشاهد ووضع له عصابة العينين وساقه إلى غرفة المحقق في نفس الطابق. سمع حينها صوت المحقق يقول له: “ليش خايف؟” فأجابه: “لأني بمكان بيخوف!” فطلب منه هذا الشخص -والذي اتضح للشاهد بعد ذلك أنه كان المتهم رسلان- أن يسترخي وأنه بمكان لا يوجد فيه ما يخيف. طلب الشاهد أن يجلس فأجاب المحقق بالقبول، إلا أن الشاهد معصوب العينين فسأل المحقق: “كيف أجلس؟” فأجابه: “إذهب باتجاه اليسار وعلى بعد ثلاث خطوات يوجد كرسي، أحضره واجلس”.

هنا سأله القضاة إن كانت معاملة رسلان له جيدة؟ فأجاب: “ماذا تعني كلمة “معاملة جيدة” هنا؟ إن كان القصد بمفهوم النظام السوري فربما هي جيدة لأنه لم يأمر بضربي، أما بالمفهوم الإنساني للكلمة فهي أبعد ما يكون عن ذلك”.

كان استجواب رسلان له يتضمن لومه على ما فعل، لم يكن هناك عنف جسدي ولكن ترهيب نفسي فقط، إذ استطاع الشاهد أن يستشعر وجود شخصين آخرين عدا المحقق، وكان خائفاً طيلة الوقت أن يبدأ أحدهم بضربه. قال المحقق للشاهد في هذه الجلسة أن من يحضرونهم من المعتقلين هم حثالة ولكنه مختلف عنهم، وأنه ما كان ينبغي عليه أن يفعل ما فعل. عند هذه النقطة استوقف القضاةُ الشاهد وسألوه ماذا قصد المحقق بقوله “ما كان ينبغي عليه فعل هذا؟” فقال الشاهد أن الأمن في سوريا مستعد أن يعتقل أي أحد لأنه دخل إلى الحمام مثلاً؛ بمعنى أنهم لا يحتاجون لمبرر حقيقي لاعتقال أي أحد، ولكن في حالته كان المبرر مشاركته بمجلس عزاء تحول إلى مظاهرة. استمر التحقيق قرابة الساعتين، كانت غاية المحقق خلال هذا الوقت أن يفهم لماذا يعارض الشاهد النظام في سوريا ولماذا يشارك في المظاهرات، وأراد أن يثبت له كل الوقت أن المتظاهرين حثالة، غير متعلمين وفقراء، لذلك هم مستعدون لتخريب البلد من أجل حفنةٍ من النقود، حتى أنه أحضر أحد المعتقلين وقال للشاهد أن هذا الشخص شارك في المظاهرة من أجل كيلو من الموز! وحاول إقناع الشاهد أن المظاهرات مؤامرة خارجية على سوريا.

خلال ثلاثة أيام قضاها الشاهد في فرع الخطيب، خضع لتحقيق ثانٍ مع محقق آخر عنيف، لم يقم بضربه إلا أنه عنّفه لفظياً ونفسياً وتوقع الشاهد أنهما يمارسان دور الضابط الجيد والسيء لأن المحقق الثاني أدنى رتبة من المتهم رسلان وبالتالي ثمة صلة بينهما ، وفي كلا التحقيقين كان الشاهد معصوب العينين. في التحقيق الثاني طُلِب من الشاهد أن يكتب ما يشبه الاعتذار وفهم منهم أن كتابته لهذه الورقة هي شرط إخلاء سبيله.

أكد الشاهد أن الاستجواب معه لم يكن بمعنى الاستجواب الحقيقي، وإنما بمعنى العقاب أكثر بسبب مشاركته بالمظاهرات، حيث أرادوا من خلال ذلك أن يثبتوا له ما هم قادرين على فعله، و يتضمن ذلك سماعه لأصوات التعذيب أمام زنزانته في أوقات مختلفة. ما أكد له هذه الفكرة هو إحضارهم لوالده في يومه الأخير هناك ليأخذه معه، وكأنه عقاب في مدرسة مثلاً أو رغبة بترهيب العائلة كلها واستخدامهم كوسيلة ضغط على المعتقل، أو الضغط عليهم جميعاً.

بعد انتهاء التحقيق الثاني معه وإحضار الأب إلى مكتب رئيس الفرع توفيق يونس، أُخِذ الشاهد إلى مكتب رسلان، وهناك طلب رسلان نزع عصابة العينين عنه وعرَّفه بنفسه واصطحبه إلى مكتب رئيس الفرع توفيق يونس، قال الأخير للشاهد أمام والده: “بتمنى تكون هي آخر مرة بتجي فيها لعنا”. وبعد ذلك خرج الشاهد مع والده من الفرع.

بعد سنوات طويلة من حادثة الاعتقال، تواصل مساعد المتهم  مع الشاهد -وهو ذات الشخص الذي اعتقل الشاهد من منزله- وأخبره بأن المتهم رسلان في ألمانيا ويرغب بالتحدث معه، وافق الشاهد على ذلك وتواصلوا برسائل صوتية على واتس أب، قُدِّمت هذه الرسائل للشرطة الجنائية أثناء أخذ أقوال الشاهد، إلا أنها لم تُعرض في قاعة المحكمة.

سُئل الشاهد لماذا وافق على التواصل مع المتهم، فأجاب بأن الفضول تملكه ليعلم أكثر عن سير عمليات الاعتقال في سوريا، وأراد أن يتأكد إن كان المتهم انشق حقيقة أم لا، فسأله القضاة إن استطاع معرفة حقيقة انشقاق المتهم منه، فقال الشاهد أنهما اتفقا أن يلتقيا في برلين للتحدث أكثر غير أن المتهم ألقي القبض عليه من قبل الشرطة الجنائية الاتحادية قبل اللقاء المزمع.

من خلال إجابته على أسئلة أطراف الدعوى، أكد الشاهد أن المتهم كان قادراً على سماع أصوات التعذيب من مكتبه طيلة الوقت، وبأنه كان يعلم بما يجري لأن الشاهد نفسه استطاع سماع كل ذلك وهو في مكتب المتهم رسلان. كما أضاف بأن معاملته كانت خاصة جداً بسبب وضعه الخاص، إلا أنه يعلم تماماً ما يحدث للمعتقلين داخل أفرع المخابرات السورية وأن كثيراً من أصدقائه اعتقلوا وضُربوا من لحظة الاعتقال الأولى وكان ذلك ممنهجاً في سوريا. أضاف الشاهد بأن المخابرات لا تكن أي احترام لأحد، لقد رأى مدرس لغة إنجليزية يضرب بعنف شديد، حتى بروفيسور قيمته صفر لديهم، ولكن وضعه الخاص هو ما جلعهم يتعاملون معه بطريقة جيدة، وكلمة “جيدة” تنطبق فقط في سوريا كما أكد مرة ثانية، إذ لا يخلو اعتقال من تعنيف لفظي ونفسي في أفضل الحالات.

سُئل الشاهد في نهاية الجلسة من قبل محامي الدفاع عن المتهم عمَّا عناه بقوله أنه يعلم تماماً ماذا يعني فرع مخابرات في سوريا والعمل فيه، فأجاب الشاهد بقوله: “كل شخص بيقرر يشتغل مع المخابرات هو شخص ما عنده مشكلة يعذِّب الناس بغض النظر إن كانوا مظلومين أو لأ، هو موافق يعذبهم برغم أنه التعذيب هو شيء غير مبرر لمين ما كان، وموافق أنه يشتغل عمل خطير جداً ممكن حتى هو ينقتل فيه بس هو قبلان النتائج شو ما كانت. الشغل مع المخابرات هو حفاظ على النظام السوري وما لو علاقة بالوطنية، شخصياً ما بعرف ليش أي حدا ممكن يشتغل مع المخابرات السورية”.