ألقى رسلان غاضباً الأوراق في وجه الشاهد وقال للمقدم النعسان: “ألم أقل لك أنه لن يفهم بالكلام!” ثم توجه للسجانين وقال: “إذهبوا به أريدكم أن ترغموه على الكلام”. وأضاف: “بس يستوي جيبولي ياه”

لونا وطفة

في الخامس عشر من شهر تموز/يوليو تأخرت جلسة المحكمة بشكل طارئ لمدة نصف ساعة وذلك لأن أحد أعضاء هيئة القضاة لم يتمكن من الوصول في الوقت المناسب بسبب الفيضانات الأخيرة في غربي ألمانيا. حُددت الجلسة مع الشاهد والمدعي بالحق المدني السيد محمد الشعار، الذي بدأ بإخبار القضاة عن الوضع الأمني والقمعي في سوريا منذ أربعين عاماً ومن ثم عن بداية المظاهرات عام 2011 والمطالبة بالإصلاحات التي جوبهت بالعنف المفرط من جهة النظام. في النصف الأول من ذات العام تشكلت مناطق محررة فاستعان النظام بالقصف الجوي لعدم تمكنه من دخول هذه المناطق. أضاف الشاهد أن الأفرع الأمنية كانت مسؤولة عن المناطق في سوريا، ومن هذا المنطلق كان فرع الخطيب/251 هو المسؤول عن منطقة الغوطة الشرقية. عندما بدأت المظاهرات في الغوطة كان عناصر الخطيب يتصدون لها ويعتقلون المتظاهرين. بتاريخ 14/10/2011 خرج الشاهد مع آخرين بمظاهرة من مسجد الزهراء في مدينة حرستا، حيث كان يحمل كاميرا ويوثق المظاهرة لرفعها على اليوتيوب لاحقاً لإظهار الحقيقة للمجتمع الدولي كما قال، وهنا تقدمت قوات الأمن وبدأت حملة الاعتقالات. اعتقل السيد محمد الشعار في ذلك اليوم وبدأوا بضربه بالأقدام وأخمص البندقية ومن ثم وضع في سيارة مغلقة واقتيد إلى مشفى البيروني التي كان يعتمدها النظام كمركز تجميع معتقلين قبل نقلهم إلى فرع الخطيب. بعد نقله إلى الفرع وتعرضه لحفلة الاستقبال والتفتيش الجسدي، بدأت مرحلة التحقيق والتعذيب من قبل المتهم أنور رسلان كما قال الشاهد، وأضاف: “لازلت أعاني من هذه المرحلة وأتعالج في ألمانيا عند طبيب نفسي وأيضاً في عيادة في أمستردام نتيجة لذلك”.

خلال أربعة أيام من التحقيق أنكر قيامه بتصوير المظاهرة، ولذلك نُقل بعدها فوراً لفرع إدارة المخابرات العامة/285 وبقي هناك ستة أيام ضُرب وعُذِّب وحُقق معه فيها أيضاً. في هذه الفترة ظهرت للشاهد صورة في فرع الخطيب وعرفوا حينها أنه كان المصور فطالبوا بإعادته إلى هناك وهذا ما كان.

في فرع الخطيب بدأ التحقيق معه مرة أخرى وهناك كان المسؤول عن التحقيق معه المقدم عبد المنعم النعسان، الذي أعطاه أوراقاً وقلماً وطلب منه أن يكتب من زنزانته المنفردة كل ما فعله ضد الدولة السورية.

بعد أن انتهى الشاهد من الكتابة طرق باب المنفردة وأخذه السجان مرة أخرى إلى مكتب التحقيق وهناك نُزعت الطماشة عن عينيه فرأى مكتباً كبيراً يجلس في آخره المتهم العقيد أنور رسلان وعلى يساره المقدم النعسان الذي استلم منه الأوراق ومن ثم أعطاها للعقيد رسلان. بعد أن وجدوا أن الشاهد لم يكتب سوى نصف صفحة ولم يكن ضمن ذلك ما يريدونه كمعلومات، ألقى رسلان غاضباً الأوراق في وجه الشاهد وقال للمقدم النعسان: “ألم أقل لك أنه لن يفهم بالكلام!” ثم توجه للسجانين وقال: “إذهبوا به أريدكم أن ترغموه على الكلام”. وأضاف: “بس يستوي جيبولي ياه”. وهذا كما قال الشاهد السيد الشعار كان أمراً صريحاً بالتعذيب.

في البداية تمت إعادته للمنفردة وحرمانه من النوم والجلوس لمدة ثلاثة أيام بناءً على توجيهات كلامية واضحة من المقدم النعسان، وكلما وقع من شدة التعب كان السجان يفتح الباب يضربه ويجبره على الوقوف مجدداً.

استمرت التحقيقات معه بعد ذلك من قِبل المقدم النعسان لمدة أربعة أيام كان يعاد فيها إلى المنفردة. وُجهت له في هذه التحقيقات الاتهامات التالية: التقليل من هيبة الدولة، التواصل مع جهات أخرى، ونشر القلاقل في الدولة لصالح جهات أجنبية. بعد ذلك أُخذ الشاهد بسيارة من الفرع إلى منطقة حرستا ليدلهم على مكان اجتماعاته هو وأصدقائه، وبالطبع لم يجدوا أحداً هناك لأن الشاهد كان على اتفاق مسبق مع أصدقائه أنه في حال اعتقال أحدهم فيجب تغير المكان فوراً. بعد ذلك أُعيد الشاهد إلى منفردة أخرى بقي فيها 25 يوماً. طلبه المقدم النعسان بعد هذه المدة للتحقيق، حيث أخبره عن اكتشافهم بأنه مسؤول الملف الإعلامي وأنه كان يملك انترنت فضائي وأجهزة ثريا وطلب منه تسليم الأجهزة لهم حتى يخلو سبيله. استغل الشاهد عدم معرفة المقدم بمكان الأجهزة وطلب منهم إحضار رئيس بلدية حرستا له ليخبره أين الأجهزة، وكان قد قرر أن يخبره لينبه أصدقائه لمكانها ويقومون بأخذها وإخفائها على أن يظهر للمقدم أنه يقوم بإخباره أين هي ليحضرها لهم.

بعد فترة قال المقدم للشاهد أن أصدقائه لم يقوموا بتسليم الأجهزة كما طلب منهم عن طريق رئيس البلدية وإنما تخلوا عنه. بعد عدة إيام عاد وطلبه مرة أخرى وكان يستشيط غضباً وأخبره أنه اكتشف تلاعبه بهم بعد أن استطاعوا مراقبة مكالمة مسجلة لأحد قيادات الثورة يقول فيها أن الشاهد أرسل لهم معلومات من داخل الفرع عن مكان الأجهزة. وهنا أمر بضربه. من شدة التعذيب أغمي على الشاهد الذي كان أيضاً مريضاً بالقلب ولم يُعطَ دواءً إلى مرة واحدة. أعيد للمنفردة ووضع معه معتقلٌ آخر مصابٌ ولا يستطيع سوى الاستلقاء على ظهره، كان يُغمى عليه بالساعات ويبول على نفسه فيضطر الشاهد لتنظيفه. عدد الأيام التي قضاها الشاهد بالمنفردة وصلت إلى 87 يوم، بعدها نُقل إلى إدارة المخابرات العامة مرة ثانية وبقي هناك مدة ومن ثم أُفرج عنه بمبادرة الجامعة العربية بتاريخ 16/01/2012. بعد اللإفراج عنه بـ 25 يوم اعتقلوه مرة أخرى من منزله مع أحد أقاربه بالمصاهرة وبقي معتقلاً هذه المرة 15 يوماً في فرع الخطيب. طلبه المقدم النعسان مرة أخرى وقال له: “شايفك رجعت لعنا؟” فأجابه: “أنتوا جبتوني، وأنا خلال 25 يوم ما عملت شي ووضعي الصحي غير جيد للمشي أو الذهاب لأي مكان ومدينة حرستا مُحتلة منكم!”. قال النعسان: “منعرف هالشي بس بدنا نسألك عن بعض الأشخاص يليي زاروك وهنن مطلوبين وبدنا نعرف سبب زيارتهم ألك وبشو حكيتو”. أجاب الشاهد: “أجوا يطمنو عني بس” فردَّ النعسان: “رح نتركك هالمرة بس بكل لقاء وبكلشي بيصير لازم تخبرنا لأنو متل ما شفت فينا نجيبك”.

تم تحويل الشاهد بعد هذا اللقاء بثلاثة أيام إلى إدراة المخابرات العامة وقضى هناك عشرة أيام أخرى ومن ثم أُطلق سراحه.

بالطبع تحدث الشاهد عن أوضاع السجن العامة وعن عدم وجود رعاية صحية وعن أساليب التعذيب النفسية والجسدية المُتَّبعة والتي تتطابق مع كل روايات الشهود حتى الآن، تحدث أيضاً عن آثار التعذيب التي رآها والتي تتوافق مع ما وثَّقه خارج الفرع بنفسه لآثار تعذيب وجدت على جثث تم تسليمها لعائلاتها في حرستا.

أخبرهم أيضاً عن شخص تم تعذيبه أمام باب المنفردة التي كان فيها وكان يعرفه شخصياً. اعتقل هذا الشخص للضغط على أخيه وإرغامه على تسليم نفسه، ولكن الأخ المعتقل استشهد تحت التعذيب كما قال الشاهد.

عند سؤال الشاهد عمّا تبقى من آثار لديه نتيجة الاعتقال أجاب: “أنا عندي مشكلة نفسية من وقت الاعتقال ومافيي نام حتى تتعب أعصابي للفجر. دائم الشرود منذ مدة طويلة ولذلك تم تحويلي لطبيب نفسي في أمستردام. بالنسبة للوضع الجسدي فعندي أضرار بأعصاب اليد، خضعت للعلاج ولا يزال ملفي الطبي موجود، حتى إني جربت العلاج الفيزيائي لـ 17 جلسة وبالنهاية قالولي أنه عندي تلف بعصب يدي اليمنى وأنه لا يمكن يرجع لحالته الطبيعية لذلك لازم اتعايش مع الأمر. بسبب هالشي أخدت إعفاء نسبي من العمل وحالياً بشتغل 16 ساعة بدل 32 ساعة بالأسبوع وفقط أعمال خفيفة لأني ما بقدر أحمل أوزان”.

ثُم سُئل عن المواد التي وثقها وعن أماكن نشرها فأجاب بأنها انتشرت على بعض القنوات الإخبارية مثل العربية والجزيرة وأيضاً على قناة اليوتيوب وتدعى “حرستا 2011” إلا أن اليوتيوب حذف الكثير من تلك المواد، ولكن لا يزال بعضها موجوداً حتى اليوم. سُئل بعدها عن الآثار التي وثقها على الجثث فأجاب بأنها آثار كالكدمات أو استعمال مثقب على الجسد أو جروح عميقة وكانت كلها خلال الفترة الزمنية ما بين بداية الثورة والشهر الخامس من عام 2012 -أي تاريخ خروجه من سوريا- وتعود جميعها لجثث معتقلين في فرع الخطيب. هذه المعلومة أثارت انتباه طرفي الادعاء بالحق المدني والعام بعد أن كادت الجلسة تنتهي ليبدأوا بعدها بتوجيه الأسئلة عنها.

سُئل السيد الشعار كيف عرف أنهم كانوا في فرع الخطيب؟ فأجاب بأنه وكما يعرف سكان مدينة كوبلنز أن هذا هو مبنى المحكمة الإقليمية العليا وأن هناك محاكمة ضد رسلان فيها، يعلم سكان حرستا أن فرع الخطيب هو المسؤول عن الاعتقالات فيها، وأن الجثث التي وثقها هو وأصدقائه هي لأشخاص اعتقلوا أولاً من قبل فرع الخطيب وسُلّموا جثثا من مشفى تشرين العسكري حيث يتصل الفرع برئيس البلدية ويخبره أن هناك جثثاً في مشفى تشرين العسكري وعليه تسلمها، وقال بأن هذا ما كان يحدث حينها حتى أنه شخصياً وثق جثتين لصديقين له اتصل رئيس البلدية بعائلاتهم بعد اعتقالهم من قبل فرع الخطيب وأخبرهم بوجود جثثهم بمشفى تشرين. هنا طلب أحد محاميي الادعاء بالحق المدني عرضَ الفيديوهات الموثقة من قبل الشاهد لهاتين الجثتين إلا أن رئيسة هيئة القضاة السيدة كيربر رفضت الطلب وثار بعد ذلك جدل طويل بينهما انتهى بأن عرضت السيدة كيربر استراحة للتشاور ستنتهي إما باتخاذ قرار أو بتقديم طلب رسمي من قبل محاميي الادعاء بالحق المدني للقضاة.

أثناء الاستراحة طلب محاميا الادعاء بالحق المدني من الشاهد تحديد الفيديوهات على الانترنت التي تحدث عنها وبالفعل تم تحديدها وكتب المحامون طلبات لعرض هذه الفيديوهات في قاعة المحكمة.

بعد الاستراحة استمر النقاش لمدة طويلة، ثم وجهت القاضية كيربر السؤال للشاهد عن هذين الفيديوهين فأجاب بأن الأول يعود للمعتقل د.خ؛ اتصل الأمن من فرع الخطيب برئيس البلدية وأخبره أن جثته موجودة في مشفى تشرين، فقام رئيس البلدية بإخبار الأهل لاستلام جثة ابنهم وهذا ما فعلوه ورافقهم الشاهد وقام بتصوير الجثة. وأما الفيديو الثاني فيعود لصديق له يدعى أ.ز لم يصور الشاهد جثته لأنه كان معتقلاً في ذات الوقت وبعد خروجه فوجئ بنبأ وفاة صديقه، حيث قام أحد أصدقائهم بتوثيق جثته ورفع الفيديو على اليوتيوب واستطاع الشاهد التعرف عليه لأنه كان صديقاً وجاراً له. أضاف السيد الشعار بأن هذا الصديق اعتقل هو وخمسة آخرين من بينهم ابن خاله وبعد أيام تم تسليمهم جميعاً جثثا إلى أهاليهم. وأضاف: “ابن خالي ما كان حتى يطلع مظاهرات، أخدوه من البيت لأنو ألو أخ مطلوب، وبعدها سلموه جثة”.

بعد مشاورات واستراحة أخرى، طلب أحد محاميي الادعاء بالحق المدني من هيئة القضاة عرض صورة الجثث من الفيديو دون عرض الفيديو بحد ذاته وهذا ما وافقت عليه هيئة القضاة وعرضت صورتان للجثتين اللتين تعرف عليهما الشاهد على أنهما من أخبر القضاة عنهما.

انتهت الجلسة حوالي الساعة الثالثة عصراً دون توجيه أي سؤال آخر للشاهد.