نحو العدالة الانتقالية في سوريا
أنور البني – يوسف فخر الدين
فريق البحث
هوازن خداج – راوية الشمر – منى ضوا – عصام الياسين – يسرى أحمد – آرام البني
مدخل
تعود الجذور التاريخية لما يُعرف اليوم بالعدالة الانتقالية إلى التطوّر التدريجي للقانون الدولي في مجال حماية الإنسان من الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الدول والسلطات السياسية والمجموعات المسلحة خلال الحروب والنزاعات المسلحة وفترات الاستبداد. وقد تشكّلَ هذا المسار عبر تراكمٍ قانونيّ وسياسيّ طويل، ارتبط بتعزيز مكانة الفرد في القانون الدولي وتوسيع نطاق المسؤولية القانونية عن الجرائم التي تمسّ الحقوق الأساسية للإنسان.
وقد شكّلت الحرب العالمية الثانية محطّةً مفصليّة في هذا التطوّر، فحجم الجرائم المرتكبة خلالها دفع المجتمع الدولي إلى البحث عن أسسٍ قانونية لمساءلة المسؤولين عنها، الأمر الذي تجسّد في “محاكمات نورمبرغ” و”محاكمات طوكيو”؛ وأسهمت هذه المحاكمات في ترسيخ مبادئ أصبحت لاحقاً من ركائز القانون الدولي المعاصر، وفي مقدّمتها المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية، وعدم جواز الاحتماء بالصفة الرسمية أو بالأوامر الصادرة عن السلطات العليا للإفلات من المساءلة.
وترافق ذلك مع إنشاء منظّمة الأمم المتحدة، واعتماد منظومة دولية متكاملة لحماية حقوق الإنسان، شملت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدَين الدوليّين، والاتفاقيات الدولية المتخصّصة، والقانون الدولي الإنساني المتمثّل باتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الثلاثة الملحقة بها التي وُضعت لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية، وقد عزّزت هذه التطورات الاعتراف القانوني بحقوق الأفراد والجماعات، ورسّخت التزامات الدول في حماية تلك الحقوق، والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة، وتأمين سُبل الانتصاف الفعّالة للضحايا.
وخلال العقود اللاحقة، واجهت دولٌ عديدة إرثاً ثقيلاً من الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية أو النزاعات المسلحة؛ ومنها التحوّلات السياسية التي شهدتها أوروبا الجنوبية وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، فبرزت الحاجة إلى معالجة إرث الماضي ضمن إطارٍ يحفظ الحقوق ويؤسّس لسيادة القانون باتجاه دولة القانون والحقوق. وقد أظهرت هذه التجارب أن الانتهاكات الجسيمة لا تكون، في كثير من الأحيان، مجرّد أفعالٍ فردية معزولة يرتكبها بعض الأشخاص، بل نتاج منظومات سياسية وقانونية وأمنية ومؤسّسية تسمح بها أو توفر الحماية لمرتكبيها أو تعجز عن منعها ومحاسبتها. ولذلك لم يكن كافياً الاكتفاء بمساءلة عدد من الجناة، بل برزت الحاجة إلى مقاربة أشمل تتناول كذلك المؤسّسات والبُنى التي أسهمت في إنتاج الانتهاكات واستمرارها. ومن هنا برزت الحاجة إلى نشوء القانون الجنائي الدولي وتحديد وتجريم جرائم الحرب وتعريف وتجريم الجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية.
ومن خلال هذه الخبرات العملية، بدأ يتبلور حقلٌ معرفيّ متعدّد الاختصاصات عُرف لاحقاً باسم “العدالة الانتقالية”؛ نشأ منذ البداية بوصفه إطاراً يجمع الآليّات والممارسات المستندة إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي، إلى جانب الخبرات السياسية والاجتماعية المتصلة بإدارة فترات التحوّل، بهدف معالجة آثار الانتهاكات الجسيمة التي تقع خلال فترات التحوّل السياسي أو الخروج من النزاعات.
ومع نهاية القرن العشرين، ساهم تطوّر القضاء الجنائي الدولي، وإنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصّة، ثم المحكمة الجنائية الدولية، في تعزيز الاتجاه نحو ترسيخ المساءلة بوصفها مبدأً قانونياً دولياً. كما تطورت في الوقت نفسه المعايير الدولية المتعلقة بحقّ الضحايا في الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، وأصبحت هذه الحقوق تشكّل المرجعية الأساسية لمختلف السياسات والتدابير المرتبطة بالعدالة الانتقالية.
وبناءً عليه، فإن العدالة الانتقالية تُفهَم تاريخيّاً باعتبارها ثمرة تطوّرٍ طويل في القانون الدولي وفي الخبرات المقارنة للمجتمعات الخارجة من نزاعات أهلية أو أنظمة استبدادية، وتجسيداً لمجموعة من الالتزامات والحقوق التي تبلورت داخل المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. وقد أفضت هذه المسارات إلى تطوير مجموعة من الآليات الرامية إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة وإعادة بناء السلم الأهلي، بما يشمل: الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح القانوني والمؤسّسي، لضمان عدم التكرار، ضمن مقاربات تتكيّف مع السياقات التاريخية والسياسية لكلّ تجربة، مع الالتزام بهذه المرتكزات الأساسية.
ونستخلص من الخبرات المقارنة أن نجاح العدالة الانتقالية يُقاس بقدرتها على معالجة الأسباب العميقة التي جعلت الانتهاكات ممكنة في المقام الأول؛ فالمجتمعات التي تكتفي بمعالجة النتائج دون معالجة البنى المنتجة لها تبقى معرّضةً لخطر إعادة إنتاج الانتهاكات ذاتها بأشكال جديدة وأسماء مختلفة. وهو ما ظهر في الأدبيات الحديثة التي أكّدت ضرورة العدالة الانتقالية وأهمّيّتها، بوصفها عملية مجتمعية وقانونية وسياسية تهدف إلى تفكيك البنى التي أنتجت الاستبداد والانتهاكات، وإعادة بناء المؤسسات العامة على أسس تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون[1].
ويكتسب هذا الفهم أهمّيته في الحالة السورية، فالنزاع السوري جاء بعد عقودٍ طويلة من الحكم الاستبدادي والانتهاكات المنهجية التي طالت مختلف مناحي الحياة العامة، كما تداخلت خلاله انتهاكات حقوق الإنسان مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتهجير القسري واسع النطاق، في سياق ارتبط بضعف استقلال المؤسّسات العامة وخضوعها للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية. وغياب الهوية أو الانتماء الوطني بسبب انعدام الأمن والحماية، وما أدّى إليه ذلك من شروخ عميقة في المجتمع السوري، وانكفاء قطاع واسع من السوريين إلى قوقعة الطائفية، و/أو القبلية، و/أو الدينية، و/أو الإثنية للبحث عن أمنٍ أو حماية. ولذلك فإن جانباً مهمّاً من الانتهاكات التي شهدتها سوريا كان نتيجةً لبُنى وممارسات وسياسات مؤسّسية تراكمت على مدى عقود. ونتيجة ذلك، فإن العدالة الانتقالية في سوريا تتناول أيضاً كيفية الاعتراف بالضحايا وحقوقهم، وكشف الحقيقة حول ما جرى، ومعرفة مصير المفقودين والمختفين قسراً، وجبر الأضرار الفردية والجماعية، وإصلاح المؤسّسات العامة، ومعالجة البُنى القانونية والسياسية والإدارية التي أسهمت في إنتاج الانتهاكات واستمرارها، بما يضمن عدم إعادة إنتاجها مستقبلاً، ممّا يكفل إعادة بناء السلم الأهلي والهوية والانتماء الوطني.
وتفاعلاً مع السياق السوري نقدّم في هذه الورقة قراءةً حقوقيةً تشاركيةً، تعتمد منهجاً يجمع بين التحليل القانوني والمنهج التشاركي؛ فتنطلق الورقة من النصوص القانونية الدولية والأدبيات الحقوقية والتجارب المقارنة بوصفها مرجعيةً معياريةً لتحديد الحقوق والواجبات والآليات المرتبطة بالعدالة الانتقالية، وتخضع هذه المفاهيم والآليات لامتحان الواقع من خلال الخبرات والتجارب التي عبّر عنها الضحايا والفاعلون المعنيّون عبر مقابلاتٍ ميدانية أُجريت في أنحاء مختلفة من سوريا من قِبل فريق عمل مركزنا، بما يسمح بمقاربة العلاقة بين المعايير القانونية من جهة، والاحتياجات والتصوّرات الفعلية للمتأثرين بالنزاع من جهة أخرى.
ولكي تكون أصوات الناس حاضرةً عبر كلماتهم، وليتمكّن القارئ من مراجعة مدى التزامنا بالمنهج الذي عرضناه، تتضمّن هذه الورقة عشرات الاقتباسات المباشرة من الشهادات كما وردت على ألسنة أصحابها. وقد حرصنا، قدر الإمكان، على اختيار الاقتباسات من المقابلات التي وافق أصحابها على التصريح بأسمائهم، وهم للأسف قلّة في بلدٍ لا يزال كثيرٌ من أبنائه يعيشون تحت وطأة الخوف؛ وهو الخوف الذي يُعدّ التخلّص منه عنصراً أساسياً في مسار عدالة انتقالية لم ينطلق بعدُ في سوريا على نحو فعليّ. ولهذا السبب، تتضمّن الورقة أيضاً عدداً من الاقتباسات المنسوبة إلى أصحابها من دون التصريح بأسمائهم.
كما تستند الورقة إلى الخبرة المتراكمة في العمل القانوني والبحثي مع الضحايا، وإلى العمل الحقوقي والقانوني في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، وإلى التجربة الشخصية لمُعدّيها بوصفهم من ضحايا هذا النزاع وعاملين عليه في الوقت نفسه، قانونياً و/أو حقوقياً و/أو بحثياً. ولا يُقصَد من توظيف هذه الخبرات إحلال التجربة الشخصية محلّ التحليل القانوني، بل الإسهام في اختبار الفرضيات القانونية والحقوقية على ضوء الوقائع الميدانية والتجارب المَعيشة.
ومن خلال هذا الجمع بين المرجعية القانونية والخبرات المقارنة والمنهج التشاركي والخبرة القانونية والعملية، تنطلق الورقة من فرضيّة أساسية مفادها أن حماية حقوق الضحايا وتحقيق المساءلة وكشف الحقيقة تظلّ أهدافاً جوهريةً للعدالة الانتقالية، لكنها لا تكتمل ما لم تقترن بإصلاح المؤسسات العامة على أسس الالتزام بالقانون والديمقراطية، ومعالجة العوامل التي أسهمت في إنتاج الانتهاكات والحدّ من آثارها وإزالة الشروط التي سمحت بحدوثها. ولذلك، فإن الغاية النهائية لهذا المسار ليست فقط معالجة إرث الماضي، بل المساهمة في بناء نظام قانوني ومؤسسي يحول دون إعادة إنتاج الاستبداد والانتهاكات في المستقبل.
