النازحون/ات السوريون/ات وحقوقهم/ن ١٩٣٩ – ١٩٦٧ – بعد ٢٠١١
عرفت سوريا في تاريخها المعاصر عدّة موجات نزوحٍ ارتبطت بتحوّلات سياسية وعسكرية مؤثّرة عليها وعلى المنطقة. وكان النزوح الأول من هذا النوع قد نتج عن ضمّ تركيّا لواء إسكندرون عام 1939 باتّفاقٍ مع سلطات الانتداب الفرنسيّ، ما أدّى إلى نزوح جزءٍ من سكّانه إلى الداخل السوريّ. وتغيب إحصاءاتٌ دقيقة لعدد النازحين، وهو ما يعكس طبيعة الحدث نفسه بوصفه فرضاً سياسياً لم يُرِد القائمون عليه توثيق آثاره الديموغرافية، كما يعكس محدوديّة جدّيّة الحكومات السورية المتعاقبة في التعامل مع هذه القضية. وقد ترك ذلك، في المحصلة، المجال مفتوحاً أمام تقديراتٍ واسعة وغير متطابقة في الأدبيّات اللاحقة، تشير في بعضِها إلى أن عدد النازحين تراوح بين 40 و50 ألفاً من أصل نحو 220 ألفاً من سكان اللواء(1). وتكرّرت ظاهرة النزوح نتيجة حرب حزيران عام 1967، فقد نزح ما يقدّر بأكثر من 130,000 شخص من إجمالي عدد سكان هضبة الجولان البالغ حينذاك نحو 150,000 نسمة، وفق تقديرات دراسات أكاديمية استندت إلى تقارير دولية(2). وشهدت سوريا بعد عام 2011 أوسع موجة نزوحٍ في تاريخها الحديث، وقد بلغ عدد النازحين وفق قاعدة بيانات منظمة الهجرة الدولية وبيانات 3 آذار 2025، نحو 6,994,646 نازحاً/ة، منهم قرابة 4.88 ملايين يقيمون في مناطق سكنية، ونحو 2.11 مليونان في المخيّمات(3). وجاء ذلك نتيجة الردّ الأمني–العسكري العنيف للنظام السابق (الأسدي) على الاحتجاجات، ما أدى إلى نزوح ملايين السوريين من الأوساط السنية في المراحل الأولى، بوصفهم الكتلة السكانية الأوسع التي اتهمت بأنها “حاضنة الثورة”، وبالتالي الأكثر تضرراً. ومع تعقّد الصراع وتدخّل أطراف متعددة، وبروز سلطات أمر واقع، امتدّ النزوح لاحقاً ليشمل أوساطاً أخرى، من بينها السوريون الكرد، وفئاتٍ أخرى بنسب أقل. ومؤخراً، مع تغيّر السلطة المركزية في دمشق، سُجّل نزوح من مناطق في الساحل وريف حمص وحماة والسويداء.وهناك كثيرٌ من التساؤلات حول ما إذا حاز النازحون في سوريا على حقوقهم، ومن ذلك حقّ الحماية؛ الذي يعد مفهوماً مركزياً في تناول قضايا النزوح، خاصة في السياقات التي تشهد صراعاتٍ مسلّحة وتحولات سياسية عميقة، كما هو الحال في الحالة السورية. وبحسب “المبادئ التوجيهية بشأن النزوح” الصادرة عن الأمم المتحدة سنة 1998، تُفهم الحماية على أنها مجموعة من الحقوق والضمانات المكفولة للنازحين، منذ لحظة التهديد بالنزوح حتى تحقيق حلّ دائم. ويشمل ذلك الحماية من العنف، والحصول على الخدمات، والمشاركة في القرارات، وضمان الكرامة، والعودة الطوعية الآمنة أو التوطين.تعمل هذه الدراسة الاستطلاعية على واقع حقوق النازحين/ات، بما يشمل نوعية وشروط حياة النازحين/ات، وطبيعة المسؤوليات، والانتهاكات، والضمانات التي طالت حياتهم/ن أو غابت عنها. وتعتمد الدراسة مفهوم الحماية بوصفه إطاراً حقوقياً وسياسياً لفهم تجربة النزوح، حيث جرى مقاربتها عبر أصوات النازحين/ات المشاركين/ات أنفسهم/ن، من خلال مساءلة ما الذي يرونه متحققاً من الحماية، وما الذي فُقد منها، ولمن يحمّلون المسؤولية في حال وجود نقص أو تقصير. وقد توخّت الدراسة عبر هذا المنهج المقارنة بين المبادئ القانونية والواقع المعيش الذي يصفه النازحون/ات أنفسهم/ن، بوصفه مرجعية تحليلية لفهم فجوات الحماية وتفاوتاتها الزمنية والمكانية.وتقارب الدراسة مفهوم الحماية بوصفه إطارًا تحليليًا تتقاطع داخله الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية لتجربة النزوح. وفي هذا السياق، يُفهم حضور السلطات الرسمية والأطر القانونية بوصفه أحد مستويات إنتاج الحماية أو غيابها، إلى جانب مستويات أخرى تتشكّل داخل التجربة اليومية للنازحين/ات أنفسهم. ويأتي المجتمع المضيف في هذا الإطار بوصفه عنصرًا أساسيًا في تشكّل هذه التجربة، بما يحمله من علاقات وتفاعلات وتأثيرات متبادلة، تسهم في صياغة شروط العيش، وإدراك الحقوق، وحدود الحماية كما تُعاش على الأرض.مع تأكيد الدراسة أنها لا تدّعي التأريخ، ولا أنّ ما يرد فيها يمكن تعميمه، وإنما هي دراسة استطلاعية لقضية الحقوق لدى النازحين، منفتحة على كلّ التصويبات اللاحقة، بل هي تتطلّبها لأنّ السعي خلف الحقيقة بهذا الخصوص هو جزء من عملية تحصيل الحقوق.
تحميل الدراسة